تستمر المؤسسات العامة بـ "ضرب" قانون الشراء العام، ومصلحة البلد والاقتصاد "عرض الحائط". وعلى غرار المثل القائل "يا عنّتر منّ عنترك؟ تعنّترت وما حدا ردني"، فإن هذه المؤسسات، وهي عديدة، ما كانت لتتجرأ على سلطة القانون، لولا غياب سلطة تنفيذية تردع، وقضاء يحاسب، ورأي عام يضغط ويتابع.
في 27 أيار الماضي، تقدمت النائبة بولا يعقوبيان، إلى الحكومة بشخص رئيسها ووزير المالية، بسؤال عن صحة ما يُتداوَل عن تعاقد "مصرف لبنان" مع شركة أجنبيَّة خاصَّة بمبلغ أربعة ملايين دولار سنوياً، للمساعدة في إخراج لبنان من "لائحة الدول التي تخضع للرقابة المعزَّزة". وبغض النظر عن عدم حاجة لبنان إلى مثل هذا التعاقد في ظل اضطلاع "هيئة التحقيق الخاصَّة" لدى "مصرف لبنان" بدور المنسق الوطني لتنفيذ خطَّة العمل التي وضعتها "فاتف"، وإنشائها "لجنة المساعدة الفنيَّة" من أجل الخروج عن اللائحة الرماديَّة، فان أكثر ما لفت انتباه يعقوبيان، كان عدم مرور الصفقة عبر هيئة الشراء العام.
مصرف لبنان أعلن التعاقد مع k2
"لم يكذّب المصرف المركزي خبراً"، فأعلن في 14 تموز تعاقده مع شركة (k2 Integrity)، للمساعدة في الخروج من اللائحة الرمادية، رغم كل الاعتراضات، وإقامة الصفقة من دون استدراج عروض. مع العلم أن k2 ليست الوحيدة في العالم التي تقدم مثل هذه الخدمات.
وبعد يوم واحد، أي في 15 تموز، طلبت هيئة الشراء العام من مصرف لبنان إيداعها سبب عدم نشر الاتفاقية المذكورة على الموقع الإلكتروني للهيئة، إضافة إلى السند القانوني الذي تم الاستناد إليه لإبرام هذه الاتفاقية، كما نسخة عنها، ليبنى على الشيء مقتضاه".
فما كان من مصرف لبنان إلا أن تذرّع بـ"الطابع الأمني والسري للاتفاقية المذكورة، وعلى قانونية عدم نشرها على الموقع الالكتروني لهيئة الشراء العام". وقد استند في تعليله إلى قرار مجلس الوزراء رقم 3، تاريخ 2 تشرين الأول 2024 الذي يسمح للـ "مركزي" استثنائياً بالتعاقد بالتراضي في كل ما يختص بالأمن السيبراني، وحماية النظام المعلوماتي، والنظام المحاسبي الرئيس Core Banking، وأنظمة الحماية والأمان، وأنظمة الشبكات، وبنية المفاتيح العامة والخاصة Public & Private Key Infrastructure.. وغيرها من الحاجات والخدمات والصيانات الضرورية ذات الطابع السري أو الأمني اللازمة للمصرف التي لا يجوز الإفصاح عن مواصفاتها بشكل علني.
"الهيئة" تبطل المبررات
ذرائع المركزي أبطلتها هيئة الشراء العام جملة وتفصيلا أخيراً بتقرير مفصَّل رفعته إلى مجلس الوزراء. فقد اعتبرت هيئة الشراء أن:
- قرار مجلس الوزراء رقم 3 تاريخ 2 تشرين الأول 2024، قد بني على الظروف الاستثنائية التي كانت قائمة في حينه وانقضى مفعوله بانقضاء هذه الظروف.
- لا بد لمصرف لبنان كجهة خاضعة لأحكام قانون الشراء العام أن يطبق المبادئ والقواعد الواردة فيه، ولا سيّما المادة الأولى والمادتين 41 و 42، وإجراء عمليات شراء شفافة وفقاً للأصول، مع اعتماد إجراءات وآليات تحافظ على السرية عند وجود ما يبررها، ضمن قاعدة التناسبية التي توازن بين مقتضيات السرية و ضرورات المصلحة العامة.
- عمل k2 Integrity في ما خص رسم خريطة الاقتصاد النقدي، وإنشاء إطار وطني موحد لتطبيق "إجراءات العناية المعززة " لدى المصارف اللبنانية، لا يتمتعان بطابع السرية إطلاقاً.
- لا تبدو الخدمات موضوع الاتفاقية السرية، التي لم تطّلع عليها هيئة الشراء العام ولم تعرف قيمتها، على صلة بما ورد في متن القرار لتعلقها برسم خريطة الاقتصاد النقدي ووضع إطار وطني موحد لتطبيق إجراءات العناية المعززة وليس انظمة المعلوماتية والأمن السيبراني والنظام المحاسبي التي عدّدها قرار مجلس الوزراء المذكور.
هل يتحرك القضاء؟
السؤال الجوهري اليوم: هل سيتحرّك القضاء لإبطال هذا العقد، بعدما أبطلت هيئة الشراء العام كل ذرائع مصرف لبنان بالحجج القانونية؟ وتباعاً، هل ستلاقي النائبة بولا يعقوبيان من يقف جنبها من الزملاء لتقديم طعن، أمام مجلس شورى الدولة استناداً إلى تقرير الهيئة؟ أم أننا أمام فصل جديد من التقارير التي تُكتب لتُنسى، وتُطوى في الأدراج، كما طُويت ملفات كثيرة تطرح علامات استفهام، قبلها؟
تقرير هيئة الشراء العام، المؤلف من سبع صفحات، ليس مجرد وثيقة إدارية؛ بل مطالعة قانونية واضحة، تُحمّل الجهات المعنية مسؤولية مخالفة قانون الشراء العام بشكل فاضح. لكن الأخطر أن يبقى هذا التقرير بلا أي تبعات، فيتمّ تمييع الملف، وجرّه إلى سجالات سياسية عقيمة، تؤدي في النهاية إلى استمرار العقد، وتكبيد الاقتصاد والمواطنين مبلغاً ضخماً قد يصل، بحسب تقديرات يعقوبيان، إلى 12 مليون دولار في ثلاث سنوات، بدون ضمان خروج لبنان من اللائحة الرمادية، بسبب التعامل مع الشروط بالكثير من الاستنسابية.