تتزايد المخاوف في بيروت من أن تُفشِل الحسابات الداخلية مهمة المبعوث الأميركي توم برّاك، في وقتٍ يصرّ "حزب الله" على إبقاء لبنان رهينة لسلاحه المهترئ، متوهماً أنّه ما زال "الممثل الأخير" لمحورٍ إيراني يتداعى إقليمياً. وفي ظلّ سقوط الغطاء السوري عنه بعد تحوّل دمشق إلى خيارٍ سياسي وأمني مغاير، يجد الـ "حزب" نفسه اليوم في موقع عزلة خانقة: مرفوضٌ داخلياً، مطاردٌ قضائياً، ومكشوفٌ استراتيجياً أمام إسرائيل.

برّاك: خطوة لبنانية أولى… والحزب يردّ بالشارع

ألغى برّاك جولة كان مقرراً أن يقوم بها إلى الجنوب اللبناني، الأربعاء، رغم الانتشار الكثيف للجيش في الخيام وصور ومرجعيون، بعدما تجمّع أنصار الـ "حزب" احتجاجاً، رافعين صور قتلاه في رسالة بائسة إلى الداخل والخارج بأنّ "الدويلة" لا تزال قادرة على فرض إرادتها. لكن برّاك ذكّر بوضوح من بيروت أنّ الحكومة اللبنانية خطت الخطوة الأولى لنزع سلاح الـ "حزب"، وأنّ الكرة الآن في الملعب الإسرائيلي للقيام بخطوة موازية.

ومن قصر بعبدا، شدّد الموفدان الأميركيان توم برّاك ومورغان أرتاغُس على أنّ الخطوة الأولى لتشجيع إسرائيل على الانسحاب من النقاط الخمس المحتلة في الجنوب، هي تقديم خطة لبنانية لنزع سلاح "حزب الله". بارّاك ذهب أبعد، رابطاً مستقبل الازدهار بإنشاء "صندوق اقتصادي" تدعمه دول الخليج، فيما أكدت أرتاغُس أنّ واشنطن مستعدة لمساندة الحكومة اللبنانية لتنفيذ "قرارها التاريخي".

هذا الموقف الأميركي يفتح الباب أمام الخطة المرتقبة التي ستطرحها بيروت نهاية آب الجاري، لتقديم تصور عملي لإقناع "حزب الله" بالتخلي عن سلاحه، عبر مزيج من الحوافز الاقتصادية والضمانات الأمنية. غير أنّ أي مبادرة تصطدم مباشرة بعناد حزبٍ لا يريد الاعتراف بأنّ زمن الدويلة قد انتهى.

واشنطن تلوّح باتفاق دفاعي مشترك

اللافت أيضاً أنّ الزيارة الأميركية الأخيرة حملت أبعاداً غير مسبوقة، إذ جرى الحديث عن طرح اتفاقية دفاع مشترك أميركية ـ لبنانية، على أن تكون بديلاً عن التمديد المفتوح لقوات "اليونيفيل"، التي أُقرّ تمديدها لعام واحد فقط. هذا التوجه يضع لبنان عملياً تحت "السقف الأميركي"، ويربط مسار الانسحاب الإسرائيلي بمدى التزام بيروت بخطة الجيش اللبناني لنزع السلاح. وقد أكد الرئيس جوزاف عون للوفد الأميركي أنّ لبنان ملتزم بالرؤية الثلاثية: حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، وإطلاق مسار اقتصادي جديد قائم على المبادرة الفردية والاستثمار، وصون الديمقراطية التوافقية التي تحفظ توازن الجماعات اللبنانية.

واشنطن تضغط… وبري يشتكي

ورغم الزخم الأميركي، لم يتردد رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري في التعبير عن إحباطه، قائلاً: "أتانا الأميركيون بعكس ما وعدونا به". كلام بري يعكس مأزقاً واضحاً: لا إسرائيل تجاوبت حتى الآن، ولا الـ "حزب" مستعد للتراجع. وهكذا يبقى لبنان رهينة لعبة عضّ الأصابع، فيما البلد ينهار..

لقد تحوّل "حزب الله" اليوم إلى ذراع إيرانية مبتورة. فبعد سقوط بشار الأسد وصعود أحمد الشرع في دمشق، خسرت طهران أهم عمق استراتيجي لها، وبدأت سوريا فعلياً بقطع خطوط الإمداد عن الـ "حزب"، معترضة شحنات أسلحته ومضيّقة الخناق عليه. ومع ذلك، يواصل الـ "حزب" خطاب التحدي وكأنّه ما زال لاعباً إقليمياً وازناً، بينما هو في الواقع يعيش على فتاتٍ سياسي ومالي يأتيه من إيران الغارقة في أزماتها الداخلية والخارجية.

دعوى قضائية ضد نعيم قاسم: الدويلة في مواجهة الدولة

في الداخل اللبناني، لم يعد الصمت خياراً. فقد رفع عدد من النواب دعوى قضائية ضد الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم، متهمين إياه بتهديد السلم الأهلي والتحريض على الانقلاب على قرارات الدولة. وقدّم النائب أشرف ريفي الشكوى، مشدّداً على أنّ تاريخ 5 و7 آب 2025 يشكّل "بداية الخروج من الدويلة إلى الدولة". هذه الخطوة القضائية تعبّر بوضوح عن مزاج جديد في لبنان: رفض الاستسلام لابتزاز الحزب ووضع حدٍّ لعربدته تحت ستار "المقاومة".

إمّا الدولة… وإمّا الخراب

إنّ المشهد اللبناني لم يعد يحتمل المواربة. "حزب الله" يجرّ البلاد إلى عزلة دولية، ويهدّد مستقبل الأجيال المقبلة بمغامرات عقيمة لم يعد أحدٌ معنياً بها سوى طهران المتقهقرة. والمهمة الأميركية تشكّل اليوم نافذة أخيرة قبل أن ينزلق لبنان إلى المجهول: إمّا استعادة الدولة بكل مؤسساتها وشرعيتها، وإمّا الخراب الذي يصرّ الـ "حزب" على تكريسه كقدرٍ لا مفرّ منه.

وفي خضم هذه التطورات، تبدو رئاسة الجمهورية والجيش في قلب العاصفة. فالرئيس جوزاف عون يحاول الموازنة بين الضغوط الدولية المطالِبة بتجريد الـ "حزب" من سلاحه، وبين حساسية الداخل حيث ما زال "التيار المقاوم" يلوّح بالشارع. ومع ذلك، فإنّ التزام الجيش بتنفيذ خطة تدريجية لسحب السلاح، ومواكبته الميدانية لزيارة المبعوث الأميركي رغم الاعتراضات، يرسل إشارة واضحة بأنّ المؤسسة العسكرية ماضية في الاصطفاف خلف الشرعية الدستورية، كما العادة، لا خلف منطق الدويلة، كما يُراد أن يُشاع... وهذا التموضع يعزّز موقع الرئاسة التي تقف اليوم أمام امتحان تاريخي: إما تثبيت سيادة الدولة بكل أدواتها، أو ترك الساحة مشرّعة أمام الـ "حزب" ليستكمل رهانه الانتحاري... وما أضيق العيش في لبنان لولا فسحة اليرزة.